ميرزا محمد حسن الآشتياني

4

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

القول بتوقف ثبوت الحكم الظاهري في نفس الأمر على العلم بثبوته دوري كالقول باشتراط ثبوت الحكم الواقعي على العلم به كما صرح به العلامة قدس سره في غير موضع من كتبه حيث إن العلم متأخر عن المعلوم فكيف يتوقف المعلوم عليه ومن هنا ذكروا أن اشتراط التكاليف بالعلم ليس على حد اشتراطها بالبلوغ والعقل والقدرة فإن المتوقف على العلم تنجز الخطابات الواقعية لا وجودها النفس الأمري بل ربما نقول بعدم اشتراط التنجز بالعلم أيضا فضلا عن الثبوت النفس الأمري فإن الجاهل الملتفت إذا ترك الفحص تنجز عليه جميع الخطابات الواقعية أصولا وفروعا ولو عرض له الغفلة بعد الالتفات وترك الفحص [ في وجه تسمية الحكم الظاهري بالواقعي الثانوي وفي الفرق بين الدليل والأمارة ] ( ثم ) إن الحكم الظاهري كما يسمى ظاهريا بكونه معمولا به عند العجز عن تحصيل الواقع يسمى واقعيا ثانويا أيضا أما الوجه في تسميته بالواقعي فلأن كل شيء فرض له ثبوت فله واقعية في موضوعه فهو واقعي بهذا المعنى وأما توصيفه بالثانوي فمن حيث تأخر موضوعه عن الواقعي بقول مطلق والواقع الموصوف بالأولي وإليه أشار بقوله رحمه الله ويطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا إلى آخره ويسمى الدال على الحكم الظاهري الغير الملحوظ فيه الكشف الظني عن الواقع أصلا والدال على الحكم الواقعي الكاشف عنه علما أو ظنا بحيث يكون الكشف الظني ملحوظا في اعتباره دليلا وقد يطلق على الكاشف الظني أمارة أيضا وقد يختص الأمارة بما يكون معتبرا من حيث الكشف الظني في الموضوعات الخارجية فالاستصحاب إذا كان مبناه على الظن كما هو المشهور بين القدماء لا يكون أصلا بالمعنى المذكور وكذا البراءة إذا كان مبناها على الظن كما يظهر من الشيخ البهائي والشيخ حسن صاحب المعالم وغيرهما قدس الله أسرارهم كما أن الأول قد يسمى بالدليل الفقاهتي من حيث كونه موجبا للعلم بالحكم الظاهري والثاني قد يقيد بالاجتهادي من حيث كونه موجبا للعلم أو الظن بالحكم الشرعي وهذان اصطلاحان على ما وقفنا عليه من الفاضل المازندراني في شرح الزبدة وشايعه الأستاذ الأكمل الفريد البهبهاني في فوائده قال قدس سره في محكي فوائده الجديدة في الفائدة الأخيرة ما هذا لفظه المجتهد والفقيه والمفتي والقاضي وحاكم الشرع المنصوب عبارة الآن عن شخص واحد لأنه بالقياس إلى الأحكام الشرعية الواقعية يسمى مجتهدا لما عرفت من انسداد باب العلم وبالقياس إلى الأحكام الظاهرية يسمى فقيها لما عرفت من كونه عالما بها على سبيل اليقين انتهى كلامه رفع مقامه والمستفاد منه كما ترى كون الاجتهاد عنده عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل خصوص الظن بالحكم الشرعي أو حصول ملكة ذلك فتحصيل العلم بالحكم من الدليل خارج عن حقيقة الاجتهاد عنده وهذا وإن كان مذهب غير واحد بل مذهب جميع العامة وأكثر الخاصة كما يظهر لمن راجع كلماتهم في بحث الاجتهاد إلا أن الحكم بخروج تحصيل العلم بالحكم عن الاجتهاد مطلقا حتى في النظريات محل تأمل وكلام مذكور في بابه ومن هنا قال شيخنا قدس سره وقد يقيد بالاجتهادي فقد جعل مطلقة مقيدا به إلا أن يحمل على المهملة فيوافق ما في الفوائد والذي يقتضيه التحقيق في المقام أن الشخص من حيث كونه مستنبطا للحكم يسمى مجتهدا وإن كان الحكم المستنبط ظاهريا ومن حيث كونه عالما بالحكم يسمى فقيها من غير فرق بين كون المعلوم حكما ظاهريا أو واقعيا والخطب في ذلك سهل [ في بيان عدم لزوم مطابقة الحكم الظاهري للحكم الواقعي ] ( ثم ) إنه ظهر مما ذكرنا في بيان حقيقة الحكم الواقعي والظاهري أن ثبوت الحكم الظاهري في موضوعه لا يعتبر فيه مطابقته للحكم الواقعي المتحقق في نفس الأمر كيف وهو مستحيل عقلا كيف واعتبار المطابقة يوجب ارتفاع الحكم الظاهري وهو أمر ظاهر فالحكم الظاهري قد يطابق الحكم الواقعي وقد يخالفه فعند الجهل بالحكم الواقعي يكون هناك حكمان باعتبار نفس الواقع من حيث هو مجردا عن جميع الملاحظات وباعتبار الجهل بهذا الحكم الأولي فيمكن أن يكون شيء حراما في الواقع وحلالا في الظاهر كما يمكن عكس ذلك فقد يكون شيء حراما في الواقع وواجبا في الظاهر كعكسه فإذا يقع الإشكال في أنه كيف يمكن اجتماع الحكمين المتنافيين فإن لحاظ التجريد عن العلم والشك والظن في عروض الحكم الواقعي لا يوجب انتفاء الحكم الواقعي في صورة الشك مثلا لأن المفروض عدم ملاحظته لا ملاحظة عدمه وإلا كان ثبوته مشروطا بالعلم به وهو مع كونه خلفا محالا محال من جهة لزوم الدور الظاهر على ما عرفت الإشارة إليه [ في الجواب الأول عن التناقض ] وأشكل من ذلك ما اتفقت عليه مقالتهم ظاهرا في مسألة امتناع اجتماع الأمر والنهي من أن الممتنع على القول به هو اجتماع الفعليين من الوجوب والتحريم لا الفعلي والشأني ومن هنا حكموا بصحة صلاة الجاهل بموضوع الغصب في الدار المغصوبة واللباس المغصوب اتفاقا بل الجاهل بالحكم والحرمة مع القصور بل ناسيهما إلا العلامة قدس سره في الناسي هذا ( وقد ) يذب عن الإشكال المذكور في المقام بوجوه ( الأول ) ما سبق إلى بعض الأوهام من كون الحكم الواقعي عبارة عن شأنية الحكم وليس حكما حقيقة فإن شئت قلت إن الموجود في حق الجاهل جهة الحكم وهي المصلحة والمفسدة لا الإنشاء فلا ينافي تعلق الإنشاء بالجاهل على الخلاف لعدم اجتماع الحكمين حقيقة وبمثل ذلك يقال في دفع الإشكال عما بنوا عليه الأمر في مسألة اجتماع الأمر والنهي من عدم المضادة بين الفعلي والواقعي وأنت خبير بفساد هذا الوجه لأن الذي يتعلق به العلم تارة والظن أخرى والشك ثالثة ليس الحكم بهذا المعنى وأيضا لم يؤمر السفراء بتبليغ هذا المعنى إلى الخلق وكذلك ليس المعنى المذكور ومدلول الخطابات الواقعة الصادرة من الشارع وبالجملة القول بالحكم الواقعي الثابت في حق جميع المكلفين المختلفين بالعلم والظن والشك مجرد المصلحة